ابن قيم الجوزية

117

البدائع في علوم القرآن

وليس هكذا كانت قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا خيار السلف ولا التابعين ، ولا القراء العالمين ، بل كانت سهلة رسلة . وقال الخلال في « الجامع » عن أبي عبد اللّه ، أنه قال : لا أحب قراءة فلان ، يعني هذا الذي أشار إليه ابن قتيبة ، وكرهها كراهية شديدة ، وجعل يعجب من قراءته ، وقال : لا يعجبني ، فإن كان رجل يقبل منك فانهه . وحكي عن ابن المبارك ، عن الربيع بن أنس ، أنه نهاه عنها . وقال الفضل بن زياد : إن رجلا قال لأبي عبد اللّه : فما أترك من قراءته ؟ قال : الإدغام والكسر ، ليس يعرف في لغة من لغات العرب . وسأله عبد اللّه - ابنه - عنها ، فقال : أكره الكسر الشديد والإضجاع . وقال في موضع آخر : إن لم يدغم ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس به . وسأله الحسن بن محمد بن الحارث : أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة ؟ قال : أكرهه أشد كراهة ، إنما هي قراءة محدثة ، وكرهها شديدا حتى غضب . وروى عنه ابن سنيد أنه سئل عنها ، فقال : أكرهها أشد الكراهة . قيل له : ما تكره منها ؟ قال : هي قراءة محدثة ، ما قرأ بها أحد . وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها ، وقال : كرهها ابن إدريس وأراه قال : وعبد الرحمن بن مهدي . وقال : ما أدري إيش هذه القراءة ؟ ثم قال : وقراءتهم ليست تشبه كلام العرب . وقال عبد الرحمن بن مهدي : لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاة . ونص أحمد - رحمه اللّه - على أنه يعيد ، وعنه رواية أخرى : أنه لا يعيد . والمقصود : أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحرف . ومن تأمل هدي رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم ، وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته « 1 » . مثال للقراءات قال اللّه تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ

--> ( 1 ) إغاثة اللهفان ( 1 / 160 - 162 ) .